أبي حيان الأندلسي

131

تفسير البحر المحيط

الوجه الأول من قوله : بأن دخلوا في الطاعات . كلها ، فلا حاجة إلى هذا الترديد بأو . وقال ابن عطية : وقالت فرقة : جميع المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ) ، والمعنى : أمرهم بالثبوت فيه ، والزيادة من التزام حدوده . وتستغرق : كافة ، حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع ، فيكون الحال من شيئين ، وذلك جائز نحو قوله تعالى : * ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ) * إلى غير ذلك من الأمثلة . ثم قال بعد كلام ذكره : وكافة ، معناه : جميعاً . والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفيها . انتهى كلامه . وقوله : فيكون الحال من شيئين ، يعني : من الفاعل في ادخلوا ، ومن السلم ، وهذا الذي ذكره محتمل ، ولكن الأظهر أنه حال من ضمير الفاعل ، وذلك جائز ، يعني : مجيء الحال الواحدة من شيئين ، وفي ذلك تفصيل ذكر في النحو . وقوله : نحو قوله : * ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ) * يعني أن تحمله حال من الفاعل المستكن في أتت ، ومن الضمير المجرور بالباء ، هذا المثال ليس بمطابق : للحال من شيئين ، لأن لفظ : تحمله ، لا يحتمل شيئين ، ولا يقع الحال من شيئين إلا إذا كان اللفظ يحتملهما ، واعتبار ذلك بجعل ذوي الحال مبتدأين ، والإخبار بتلك الحال عنهما ، فمتى صح ذلك صحت الحال ، ومتى امتنع امتنعت . مثال ذلك قوله : * وعلقت سلمى وهي ذات موصد * ولم يبد للأتراب من ثديها حجم * * صغيرين نرعى البهم يا ليت * أنناإلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم * فصغيرين : حال من الضمير في علقت ، ومن سلمى ، لأنه يصلح أن يقول أنا وسلمى صغيران نرعى البهم ، ومثله : خرجت بها نمشي تجرّ وراءنا فنمشي حال من التاء في : خرجت ، ومن الضمير المجرور في بها ، ويصلح أن تقول : أنا وهي نمشي ، وهنا لا يصلح أن تكون تحمله خبراً عنهما ، لو قلت : هي وهو تحمله لم يصح أن يكون تحمله خبراً ، نحو قوله : هند وزيد تكرمه ، لأن تحمله وتكرمه لا يصح أنّ يقدر إلاّ بمفرد ، فيمتنع أن يكون حالاً من ذوي حال ، ولذلك أعرب المعربون في : خرجت بها نمشي تجر وراءنا نمشي : حالاً منهما ، وتجر حالاً من ضمير المؤنث خاصة ، لأنه لو قيل : أنا وهي تجر وراءنا لم يجز أن يكون تجر خبراً عنها ، لأن تجر وتحمل إنما يتقدران بمفرد ، أي حاملة وجارة ، وإذا صرحت بهذا المفرد لم يمكن أن يكون حالاً منهما . و * ( كَافَّةً ) * لدلالته على معنى : جميع ، يصلح أن يكون حالاً من الفاعل في : ادخلوا ، ومن السلم ، بمعنى شرائع الإسلام ، لأنك لو قلت : الرجال والنساء جميع في كذا ، صح أن يكون خبراً . لا يقال كافة لا يصلح أن يكون خبراً ، لا تقول : الزيدون والعمرون كافة ، في كذا ، فلا يجوز أن يقع حالاً على ما قررت ، لأن امتناع ذلك إنما هو بسبب مادة : كافة ، إذ لم يتصرف فيها ، بل التزم نصبها على الحال ، لكن مرادفها يصح فيه ذلك ، وقوله : والمراد بالكافة الجماعة التي يكف مخالفها ، يعني : أن هذا في أصل الوضع ، ثم صار الاستعمال لها لمعنى : جميعاً ، كما قال هو وغيره ، وكافة : معناه جميعاً . * ( وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) * قد تقدم تفصيل هاتين الجملتين بعد قوله : * ( النَّارِ يأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى الاْرْضِ حَلَالاً طَيّباً ) * فأغنى ذلك عن إعادته ، وقال صاحب ( الكتاب الموضح ) أبو عبد الله نصر بن علي بن محمد : عرف بابن مريم ، أن ضم عين الكلمة في مثل هذا ، نحو : عرفة وعرفات ، هو مذهب أهل الحجاز ، وقال فيمن سكن الطاء : إنهم لما جمعوا نووا الضمة في الطاء ، ثم أسكنوها استخفافاً ، وهو في تقدير الثبات يدل على أن الضمة في حكم الثابت ، أن هذه حركة يفصل بها بين الاسم والصفة ، كما هي في جمع : فعلة